القرطبي
338
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( وتبينوا ) في هذا أوكد ، لان الانسان قد يتثبت ولا يتبين . وفي ( إذا ) معنى الشرط ، فلذلك دخلت الفاء في قوله ( فتبينوا ) . وقد يجازى بها كما قال : * وإذا تصبك خصاصة فتجمل ( 1 ) * والجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر : والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع والتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه ، وإنما خص السفر بالذكر لان الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر . الثالثة - قوله تعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) السلم والسلم ، والسلام واحد ، قاله البخاري . وقرئ بها كلها . واختار أبو عبيد القاسم بن سلام ( السلام ) . وخالفه أهل النظر فقالوا : ( السلم ) ههنا أشبه ، لأنه بمعنى الانقياد والتسليم ( 2 ) ، كما قال عز وجل : ( فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ( 3 ) ) فالسلم الاستسلام والانقياد . أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم ( 4 ) لست مؤمنا . وقيل : السلام قوله السلام عليكم ، وهو راجع إلى الأول ، لان سلامه بتحية الاسلام مؤذن بطاعته وانقياده ، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك . قال الأخفش : يقال [ فلان ( 5 ) ] سلام إذا كان لا يخالط أحدا . والسلم ( بشد السين وكسرها وسكون اللام ) الصلح ( 6 ) . الرابعة - وروي عن أبي جعفر أنه قرأ ( لست مؤمنا ) بفتح الميم الثانية ، من آمنته إذا أجرته فهو مؤمن . الخامسة - والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله ، فإن قال : لا إله إلا الله لم يجز قتله ، لأنه قد اعتصم بعصام الاسلام المانع من دمه وماله وأهله : فإن قتله بعد ذلك قتل به . وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الاسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح ، وأن العاصم قولها مطمئنا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم
--> ( 1 ) هذا عجز بيت وصدره : * واستغن ما أغناك ربك بالغنى * في ط وزوى : فتحمل بالمهملة وهي رواية . ( 2 ) من ى . ( 3 ) راجع ج 10 ص 99 ( 4 ) في ا وج دعوته . ( 5 ) من ابن عطية . ( 6 ) من ابن عطية وج وط وز وى . وفى ا وح : الصفح . فهو تصحيف .